السبت، 4 مارس 2017

تهافُت المصطلح في أبجدية الفكر و المفهوم المراوغ


الحقيقةُ يجب أنْ تكتشف لا أنْ تُلقّن.
هي مقالةٌ فارهة, مقنعةٌ جداً في ظاهرها.

و هي متبناةٌ بيقينٍ كبير من جانب الماديين و التجريبيين
و تم التسويق لها بجهد مكثف كقاعدة أساسية في العلوم التجريبية.

و لكن, أليس الكونُ بكلّ هذا الإمتداد و التعقيد, موضوعياً, هو أكبر و أشمل من أنْ يحيط به العلمُ و أدواته و شروطه التجريبية بشكل كامل و مطلق.

ألم يتواضع ذاتُ العلماء التجريبيون علي قاعدة أن الحقيقة العلمية تظل نسبية و غير نهائية و قد تتغير, و ربما تنتفي, بتطور شروط و أدوات العلم التجريبي عبر سيرورة الحياة.

ثم سيطل السؤال الجوهري و الإبتدائي
ما الحقيقة ؟

كيف لنا أنْ نُعرّفها, قبل أن نشرعَ في أنْ نَعْرفَها.

ثم ما أدواتُ كشفها, و كيف نُصنِّف هذه الأدوات, و كيف نرتبها.
و هل هي متاحة و متوفرة للإنسان, بكاملها, أم ببعضها.

ما مقدار حدود المتاح منها لمناهج العلوم, بكافتها, و حدود غير المتاح
أين هو الناجع منها, مكتمل التصويب و الإحتياز, لنتيقن به من الإمساك بالحقيقة الكاملة, غير المنقوصة.

كيف لها ذلك, كيف لهذه الأدوات أن تخلع عنها عباءة نسبيتها القسرية, كيف ستأتي مبرأةً من النقص لتمشي بيننا في اكتمال نجاعتها, فتمنحنا برد اليقين و عينه.

كيف إلي إكتمال الناقص في ذاته.

ثم هل هو العقلُ وحده, هو المنوطُ به, و المُتَعيّن عليه, ممارسة وظيفة الكشف, أم هو النقل.
هل هو كلاهما, أم سواهما, أم كلاهما و سواهما معاً.

ثم بالعودة الي ذي بدء
ماذا إذا قلنا
أنّ الحقيقة منها ما يجب أنْ يُكتشف, و منها ما يجب أنْ يُلقّن.

فكيف هو المعيارُ في الفصل بين ما لا يتَعيّن إلا بالكشف
و ما لا يتحتم حياله سوي التلقين.

لا أشُكُّ, و حتماً يقاسمني الكثيرون هذا اليقين, أنّ في هذا الكون الواسع و المعقّد مزيداً من الحقيقات التي تتعالي علي ما توصل اليه العلم من شروط و أدوات تجريبية, علي الأقل حتي الآن, لا يسعنا سوي التسليم جدلا بذلك.

ثم سيقودنا الحديث حتما في هذا السياق للتطرق لفكرة الإله.

و هي الحقيقة السرمدية الأولي في هذا الكون.

ففي هذا الصدد, يفوتُ علي كل الملحدين و المشككين في حقيقة وجود إله لهذا الكون, يفوت عليهم أن حقيقة الإله تتعالي علي مقولتهم العقائدية بأن الحقيقة يجب أن تكتشف لا أن تلقن.

و السبب هو موضوعي بسيط, و هو أنّ جوهر الألوهية يقتضي بالضرورة تعاليها عن الإحاطة و الإحتياز بواسطة أدوات الكشف الإنساني.

فلايستقيمُ موضوعياً أنْ يحيط المخلوق بالخالق, و لا يتأتي منطقياً أنْ يحوز ماهو نسبي, علي المطلق, و الإلهُ بالضرورة مطلق, مطلق في مشيئته, و في قدرته, و في إحاطته و علمه.

إذن فالإلحادُ في حقيقته و جوهره, هو محض كفران و رفض ذاتي, غيرموضوعي, و ليس بعلمي أو منهجي, لوجود الإله.

الإلحادُ هو رفض لوجود الإله, و ليس بنفي لوجود الإله, كما قد يتصور الملحدون, رفقة سواهم, من الكثيرين.

و شتانٌ ما بين الأمرين, ما بين الرفض و النفي يمتد ألف عام و عام, من التباعد و اللا إلتقاء.

فعمليةُ نفي الموجود تحتاج الي مقدمات و شروط و طرق قياس منهجية, يتعيّنُ أنْ تتوفر فيها القدرة علي الإحاطة بالمرفوض (الإله المطلق) , و هو ما لا يمكن أن يتوفر في منهجيات العلم التجريبي النسبية.

أما الرفضُ, فسهلٌ و ميّسرٌ, و لا يتطلّب جهداً أو مشقّة.

علي العلم أن يدرك مدي قصوره عن الإحاطة بكل شئ, و عليه أن يَحْصُر مباحثه في ما ضمن إحداثيات أدواته و شروطه و منهجياته القاصرة.

و علي الملحدين الكف عن محاولات الإرتكاز علي العلم في تبريرهم لرفض وجود الإله.

فليس بالعلم وحده يحيا الإنسان, ليمارس فعل الحياة, و يعمّر الأرض.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق